سامر شقير يكتب: 1.86 مليون سجل تجاري.. السعودية تبدأ عصر ”الازدهار الاستثماري” بقيادة رؤية 2030
لا يمكن قراءة إعلان وزارة التجارة السعودية عن وصول إجمالي السجلات التجارية إلى 1.86 مليون سجل بنهاية عام 2025، باعتباره مجرد تحديث إحصائي روتيني. إن إصدار 123 ألف سجل تجاري جديد خلال الربع الرابع فقط – بمتوسط يتجاوز 1300 منشأة يومياً – يمثل دليلاً دامغاً على أن المملكة تجاوزت مرحلة "الإصلاح الاقتصادي" لتدخل فعلياً مرحلة "الازدهار الاستثماري". هذه الأرقام، تعكس تحولاً جذرياً في شهية المخاطرة لدى رؤوس الأموال، وتؤكد نجاح رؤية 2030 في تنويع القاعدة الاقتصادية بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة، مما يخلق بيئة خصبة وجاذبة لكل باحث عن الاستثمار في السعودية.
أولاً: التشييد يقود قاطرة الاقتصاد غير النفط
إن هيمنة قطاع التشييد على 53% من إجمالي السجلات الجديدة (بواقع 66 ألف سجل) تقدم إشارة استراتيجية للمستثمرين؛ فنحن أمام دورة اقتصادية كبرى محركها البنية التحتية. هذا الرقم لا يعكس فقط نشاط المقاولات، بل يشير إلى "تأثير المضاعف الاقتصادي" (Multiplier Effect)، حيث يحرك كل مشروع إنشائي عشرات القطاعات المساندة من صناعة مواد البناء، والخدمات الهندسية، وصولاً إلى الحلول التمويلية. النمو الهائل هنا هو استجابة مباشرة للإنفاق الحكومي الرأسمالي على المشاريع الكبرى (Giga Projects)، مما يجعل الانخراط في سلاسل إمداد قطاع التشييد أحد أكثر الخيارات الاستثمارية أماناً وربحية خلال الأعوام الخمسة المقبلة.
ثانياً: من الاستهلاك إلى القيمة المضافة
تكشف البيانات عن تحول نوعي في هيكل الاقتصاد السعودي؛ فحلول قطاع الصناعات التحويلية في مراتب متقدمة بـ 23.7 ألف سجل (19% من الإصدارات)، مدعوماً بقطاع الخدمات اللوجستية والنقل (17.6 ألف سجل)، يؤكد أن السوق يتجه نحو "الاقتصاد الحقيقي" المنتج للقيمة المضافة. المستثمرون اليوم يقرأون جيداً مستهدفات "الاستراتيجية الوطنية للصناعة"، ويتجهون لتوطين المنتجات بدلاً من استيرادها. هذا الربط بين التصنيع والخدمات اللوجستية يعزز مكانة المملكة كمركز ربط عالمي، ويفتح الباب واسعاً أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) التي تبحث عن بنية تحتية صناعية متكاملة وموقع جغرافي استراتيجي.
ثالثاً: خارطة نمو تتجاوز المركزية
رغم استحواذ الرياض (45.6 ألف سجل) والمنطقة الشرقية (20.1 ألف سجل) على 69% من السجلات بفضل الثقل المالي والصناعي، إلا أن القراءة الدقيقة تبرز صعوداً قوياً لمناطق أخرى مثل مكة المكرمة (19.2 ألف سجل) والقصيم وعسير. هذا التوزع الجغرافي للنمو يعكس نجاح سياسات التنمية المناطقية، ويخلق فرصاً استثمارية واعدة في قطاعات السياحة الدينية، والترفيه، والزراعة المتطورة في تلك المناطق. بالنسبة للمستثمر الذكي، هذه المناطق تمثل "أسواقاً بكر" (Blue Oceans) تتميز بمعدلات نمو متسارعة ومنافسة أقل حدة مقارنة بالعاصمة.
رابعاً: تمكين المرأة كقوة شرائية وإنتاجية
عندما تستحوذ سيدات الأعمال على 48% من السجلات الجديدة، فإننا نتحدث عن تحرير لطاقات اقتصادية كاملة كانت معطلة سابقاً. هذا الرقم يعني ضخ سيولة جديدة في الشرايين التجارية، وارتفاعاً في معدلات تأسيس الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) التي تعد عصب الابتكار في أي اقتصاد. دخول المرأة بهذه القوة يعيد تشكيل أنماط الاستهلاك والإنتاج، ويجعل من قطاعات التجزئة، والخدمات الإبداعية، والتجارة الإلكترونية، مجالات خصبة للنمو، مدفوعة بزيادة مشاركة القوى العاملة النسائية في الناتج المحلي.
خامساً: الحوكمة والنضج المؤسسي
الرقم الذي قد يغفل عنه الكثيرون ولكنه الأهم في معايير الاستدامة، هو هيمنة الشركات ذات المسؤولية المحدودة على الإصدارات الجديدة (قرابة 43 ألف شركة). هذا التحول من "المؤسسات الفردية" إلى "العمل المؤسسي" يعني تحسناً كبيراً في بيئة الحوكمة، وقدرة أعلى على الوصول للتمويل البنكي، وجاهزية أكبر لجذب استثمارات رأس المال الجريء. الاقتصاد السعودي يزداد نضجاً وتنظيماً، مما يقلل مخاطر الأعمال ويرفع من جاذبية الاستثمار في السعودية للمحافظ الاستثمارية الدولية.
خلاصة القول
إن قراءتنا لهذه البيانات تؤكد أن عام 2026 سيكون عام "الحصاد" لمن يبني مواقعه الآن. السعودية لا تقدم وعوداً، بل تقدم أرقاماً ومشاريع وتشريعات. والفرصة اليوم متاحة لمن يملك الرؤية للتحرك مع تيار النمو الصاعد، مدعوماً بقوة دفع حكومية غير مسبوقة وإصلاحات هيكلية جعلت من الرياض عاصمة للقرار الاقتصادي في المنطقة.
