بوابة بالعربي الإخبارية

من الشبكة العالمية إلى الإنترنت الوطني.. إيران تدخل عصر العزلة الرقمية

الثلاثاء 13 يناير 2026 11:19 صـ 24 رجب 1447 هـ
إيران
إيران

شهدت إيران، بعد ظهر يوم الخميس، انقطاعًا شبه كامل لخدمات الإنترنت في معظم أنحاء البلاد، في واحدة من أعنف حالات حجب الاتصالات التي تسجَّل منذ سنوات، وذلك عقب أيام من تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

هذا الانقطاع الواسع أعاد إلى الواجهة تساؤلات عميقة حول مستقبل الإنترنت في إيران، وحدود قدرة المواطنين على التواصل مع العالم الخارجي.

ورغم التعتيم الشامل، لا تزال شريحة ضئيلة جدًا من السكان قادرة على إرسال الصور ومقاطع الفيديو وإجراء اتصالات محدودة.

فقد نشرت قناة “وحيد أونلاين” على تطبيق “تيليجرام” خلال الأيام الماضية صورًا لجثث ملقاة قرب أحد شوارع كهريزك جنوبي طهران، كما بثّت مقطع فيديو لمشيعين يهتفون بشعارات مناهضة للقيادة الإيرانية خلال جنازة، في مشاهد نادرة خرجت من البلاد رغم القيود الصارمة.

ويقول أمير رشيدي، الخبير الإيراني في شؤون الحقوق الرقمية، إن هذه المواد تُنقل عبر منظومة معقّدة من الأدوات الإلكترونية المصممة لتجاوز الرقابة الحكومية، من بينها خوادم بروكسي خاصة بتطبيق “تيليجرام”، وخدمة مراسلة لامركزية تُعرف باسم “دلتا تشات”، إضافة إلى متصفح “سينو” الذي يسمح بتبادل المعلومات خارج القنوات التقليدية.

غير أن العنصر الأهم في هذه المنظومة يبقى محطات “ستارلينك” للإنترنت الفضائي، التابعة لشركة “سبيس إكس” المملوكة لإيلون ماسك، والتي جرى تهريبها إلى إيران بأعداد كبيرة خلال العامين الماضيين.

ويوضح رشيدي أن عدد هذه المحطات يتراوح بين 50 ألفًا و100 ألف محطة، رغم أن مستخدميها لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة من سكان البلاد البالغ عددهم أكثر من 90 مليون نسمة.

ورغم أن محطة واحدة قد تتيح الاتصال لعشرات الأشخاص أو حتى مبنى سكني كامل، فإن إجمالي عدد المستخدمين لا يتجاوز مئات الآلاف، وفقًا لدوغ مادوري، مدير تحليل الإنترنت في منصة “كينتيك”.

وتُعد هذه المحطات اليوم آخر صلة واهية لإيران بالعالم الخارجي، في ظل اقتصار حركة البيانات الأخرى على جهات وأفراد مدرجين على “القائمة البيضاء” للنظام.

وفي المقابل، تكثف السلطات الإيرانية حملاتها لتعقب هذه الأجهزة، مستخدمة أدوات تشويش متقدمة، وطائرات مسيّرة تحلّق فوق أسطح المنازل بحثًا عن أطباق الاستقبال.

وبموجب قانون صدر عام 2025، تُصنَّف حيازة محطة “ستارلينك” على أنها عمل تجسسي قد يعرّض صاحبها للسجن حتى عشر سنوات.

ويرى خبراء أن أدوات التشويش المستخدمة ذات طابع عسكري، مشابهة لتلك المستعملة في ساحات الصراع بأوكرانيا، وهي مكلفة وتعمل ضمن نطاقات محلية محدودة.

ومع أن بعض المستخدمين لا يزالون قادرين على الاتصال عبر نقل أجهزتهم باستمرار أو استخدام شبكات VPN، فإن خطر التتبع يبقى قائمًا.

في المقابل، كشفت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية مؤخرًا قائمة بالمواقع المتاحة داخل البلاد، تضم محركات بحث وتطبيقات وخدمات بث محلية خاضعة للرقابة، في مؤشر واضح على تسارع مشروع “الإنترنت الوطني” الإيراني، وهو نموذج مغلق ومعزول إلى حد كبير عن الشبكة العالمية.

ويحذّر رشيدي ومادوري من أن عودة الإنترنت كما كان قد لا تكون ممكنة، مؤكدين أن السلطات الإيرانية تستعد لسيناريو طويل الأمد، قد يصبح فيه “الإنترنت الوطني” هو الخيار الوحيد المتاح للمواطنين، ما ينذر بتحول جذري في المشهد الرقمي داخل إيران.