بوابة بالعربي الإخبارية

سامر شقير يكتب: الاقتصاد السعودي في 2026.. شهادة ثقة دولية تتجاوز لغة الأرقام

الأربعاء 14 يناير 2026 11:54 صـ 25 رجب 1447 هـ
سامر شقير، رائد استثمار،  وعضو الشرف المنتخب بمجلس التنفيذيين اللبنانيين بالرياض
سامر شقير، رائد استثمار، وعضو الشرف المنتخب بمجلس التنفيذيين اللبنانيين بالرياض

في توقيت بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي الذي لا يزال يبحث عن مسار مستقر للنمو، جاء تقرير التوجهات العالمية 2026 الصادر عن بنك ستاندرد تشارترد ليقدم رؤية معمقة تتجاوز مجرد التوقعات الرقمية، راسماً ملامح مرحلة جديدة من النضج الاقتصادي للمملكة العربية السعودية. إن قراءة ما بين سطور هذا التقرير، وربطه بالخطوات العملية التي اتخذتها المملكة في مطلع العام الحالي، تكشف لنا عن تحول جذري في فلسفة إدارة الموارد المالية والاقتصادية في ظل رؤية 2030.

لعل الرسالة الأقوى التي يحملها التقرير هي تفوق الاقتصاد السعودي على المعدلات العالمية.

فبينما يصارع العالم لتحقيق نمو متوسطه 3.4 بالمائة، تبرز المملكة بتوقعات نمو تصل إلى 4.5 بالمائة. هذا الفارق ليس مجرد رقم عابر، بل هو دلالة واضحة على نجاح السياسات الاستباقية في خلق بيئة استثمارية محفزة قادرة على العمل بمحركين متزامنين: تعافي قطاع النفط الذي عاد لمسار النمو، والزخم المستمر للقطاع غير النفطي الذي ينمو بنفس النسبة القوية (4.5 بالمائة). هذا التوازن هو ما يمنح الاقتصاد السعودي مناعته الحقيقية ضد تقلبات أسواق الطاقة، وهو ما أكد عليه مازن البنيان، الرئيس التنفيذي للبنك في السعودية، حين أشار إلى أن نمو القطاع غير النفطي هو الضامن للاستقرار المالي المستدام.

ومن الزاوية المالية، يقدم التقرير تحليلاً مغايراً للمفاهيم التقليدية حول العجز المالي. فالعجز المتوقع، وارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي لنحو 36 بالمائة بنهاية 2026، لا يُنظر إليهما هنا كأعباء، بل كمحفزات ضرورية لعملية تحول هيكلي ضخم. إن استراتيجية المملكة القائمة على أن يكون العائد على الإنفاق الحكومي أعلى من تكلفة الدين هي استراتيجية استثمارية ذكية بامتياز. وقد أثبتت الأسواق الدولية ثقتها المطلقة في هذه الرؤية مع مطلع العام الحالي، حين نجحت المملكة في جمع 11.5 مليار دولار من أول إصدار سندات دولية في 2026، وسط طلب تجاوز 30 مليار دولار (بتغطية 2.7 مرة). هذا الإقبال الكبير من المستثمرين الدوليين هو "التصويت" الحقيقي والعملي على متانة الاقتصاد السعودي ومستقبله.

إن ما نراه اليوم ليس مجرد إدارة للأزمات أو تفاعل مع المتغيرات، بل هو بناء ممنهج لنموذج اقتصادي مرن. فبينما تتجه الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين نحو مسارات نمو متباينة، تواصل السعودية ترسيخ مكانتها كقطب اقتصادي عالمي، مستفيدة من عضويتها في مجموعة العشرين، ومستخدمة أدوات الدين بذكاء لتمويل مشاريع التنويع الاقتصادي دون المساس بالاستثمارات الحيوية.

ختاماً، يمكن القول إن تقرير 2026 يضع المملكة أمام استحقاق النجاح. فالأرقام مبشرة، والسياسات المالية تتسم بالحصافة، والأسواق العالمية تفتح أبوابها للمملكة. التحدي الآن يكمن في الحفاظ على هذا الزخم، والاستمرار في تحويل هذه المؤشرات الإيجابية إلى واقع ملموس ينعكس على جودة الحياة ورفاهية المواطن، وهو الرهان الذي يبدو أن المملكة سائرة في كسبه بثبات.