سامر شقير يكتب: معادلة التعدين السعودية الجديدة.. خفضنا ”المخاطر” وتكفلنا بـ”البنية التحتية”
على مدار الفترات الماضية، خصصنا في كتاباتنا مساحة واسعة لتحليل قطاع التعدين في المملكة، مشيرين في أكثر من مقال إلى أن ما يحدث في الدرع العربي ليس مجرد نشاط استخراجي تقليدي، بل هو إعادة تشكيل لخارطة الموارد العالمية. اليوم، ومع المخرجات الاستراتيجية التي أُعلنت في مؤتمر التعدين الدولي بالرياض، نجد لزاماً علينا إعادة قراءة المشهد، ليس من زاوية "الموارد الطبيعية" فحسب، بل من زاوية "الجدوى الاستثمارية" البحتة.
الإعلانات الأخيرة لوزير الصناعة والثروة المعدنية، وتحديداً مبادرة "تمكين البنية التحتية" وإطلاق "بوابة التمويل"، تمثل تحولاً مفصلياً في هيكلية الاستثمار بالقطاع. المملكة اليوم تقدم للمستثمرين نموذج عمل (Business model) يعالج بشكل جذري المعوقات الهيكلية الثلاثة التي تواجه رؤوس الأموال في هذا القطاع عالمياً: ارتفاع التكاليف الرأسمالية (CAPEX)، والمخاطر الجيولوجية، وتحديات السيولة.
أولاً: التدخل الحكومي لرفع "الكفاءة الرأسمالية"
في عرف الاستثمار التعديني، تلتهم تكلفة البنية التحتية (مياه، طاقة، طرق) الجزء الأكبر من رأس المال التأسيسي، مما يضغط على هوامش الربح ويطيل فترة الاسترداد.
حين تعلن الدولة عن مبادرة لتمكين البنية التحتية، وتدشن فعلياً خط مياه بطول 75 كم لمنطقة "جبل صايد"، فهي بذلك ترسل رسالة مالية بالغة الأهمية: الحكومة ستتحمل التكلفة غير التشغيلية، لتتيح للمستثمر توجيه سيولته نحو العمليات الإنتاجية والتطوير. هذا الإجراء يرفع تلقائياً من معدل العائد الداخلي (IRR) للمشاريع ويجعلها أكثر جاذبية مقارنة بالأسواق الأخرى.
ثانياً: التحول من "الغموض" إلى "البيانات الموثقة"
لطالما كان نقص البيانات الجيولوجية هو عامل المخاطرة الأكبر (Risk Factor). اليوم، ومع إعلان اكتمال المسح الجيوفيزيائي والجيوكيميائي للدرع العربي بنسبة 100%، وتضاعف الإنفاق على الاستكشاف 5 مرات، قامت المملكة بعملية "تحييد للمخاطر" (De-risking) غير مسبوقة.
نحن ننتقل الآن إلى مرحلة "الاستثمار المبني على البيانات"، حيث تتوفر للمستثمر خرائط دقيقة للموارد، مما يقلص تكاليف دراسات الجدوى ويسرع الإطار الزمني للإنتاج.
ثالثا: التمويل كأداة "تمكين" لا "عبء"
في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وشح السيولة، يأتي تدشين "بوابة التمويل" والشراكات مع بنوك عالمية ليوفر حلولاً تمويلية مستدامة. هذا الدعم المؤسسي يعالج فجوة التمويل التي أشار إليها وزير الاستثمار، ويعزز من ملاءة المشاريع، خاصة في مراحلها الأولى.
قراءة في المؤشرات المستقبلية
إن التزام شركة "معادن" بضخ 110 مليارات دولار، وتقديرات الفجوة الاستثمارية العالمية بـ 5 تريليونات دولار، تضعنا أمام سوق يتمتع بطلب عالٍ ومستدام. والمملكة، التي احتلت المرتبة الأولى عالمياً في الاستقرار السياسي والـ 23 في جاذبية الاستثمار، باتت تمتلك "المنظومة المتكاملة" (Ecosystem) الأفضل في المنطقة.
الخلاصة للمستثمرين
لقد نوهنا سابقاً بضرورة مراقبة هذا القطاع، واليوم نؤكد بلغة التحليل المالي: الفرصة في التعدين السعودي لم تعد تكمن فقط في وفرة المعادن، بل في "بيئة الاستثمار" التي صممت لتقليل المخاطر وتعظيم العوائد. لمن يبحث عن تنويع المحفظة في أصول حقيقية واستراتيجية، فإن توقيت الدخول الآن هو الأمثل، حيث تلتقي الجاهزية التشريعية مع الدعم المالي والبنية التحتية المكتملة.
