سامر شقير يكتب: السعودية تدشن حقبة ”الذكاء التنفيذي”.. وتضاعف الإنتاجية 10 مرات
في دافوس، حيث اعتاد العالم أن يستمع إلى النظريات الاقتصادية، اختارت المملكة العربية السعودية هذا العام أن تتحدث لغة "المُنجزات والأثر". حينما يعلن معالي المهندس عبد الله السواحه، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، أن كل موظف في المملكة سيحظى بـ "وكيل ذكاء اصطناعي" (AI Agent) يضاعف إنتاجيته 10 مرات، فنحن لسنا أمام مجرد تحديث تقني، بل أمام إعلان رسمي عن انتقال المملكة من مرحلة "التحول الرقمي" إلى مرحلة "الذكاء التنفيذي".
هذا المصطلح الجوهري الذي طرحته الرياض يمثل قفزة نوعية في مسار "برنامج التحول الوطني"؛ فقد تجاوزت المملكة مرحلة "الذكاء التفاعلي" (مثل روبوتات المحادثة) لتدخل مرحلة الأنظمة التي تخطط وتنفذ. نحن نتحدث عن تمكين الكوادر الوطنية -تماشياً مع مستهدفات "برنامج تنمية القدرات البشرية"- ليتحول الموظف من "منفذ للمهام الروتينية" إلى "قائد لمنظومة ذكية". هذا هو التطبيق العملي لمفهوم "الاقتصاد الرقمي" كرافعة لتعظيم المحتوى المحلي ومضاعفة كفاءة الأداء الحكومي.
لغة الأرقام.. كفاءة الإنفاق والاستدامة
بصفتي مستثمراً، ما يشدني في النموذج السعودي هو التزامه بمبدأ "كفاءة الإنفاق". الأرقام التي طُرحت في دافوس كانت برهاناً ساطعاً: تكلفة تشغيلية منخفضة للغاية (0.11 دولار لكل مليون رمز)، وعائد استثماري ملموس. ولعل نموذج "أرامكو السعودية"، التي حققت مليار دولار إضافية في صافي الأرباح بفضل حلول الذكاء الاصطناعي، يمثل "دليل إثبات" (Proof of Concept) لنجاح المملكة في دمج "الثورة الصناعية الرابعة" مع قطاع الطاقة.
عندما نتحدث عن تبنٍّ فعلي للتقنية يقارب ملياري دولار هذا العام، فنحن نتحدث عن سوق ناضجة انتقلت من "التجربة" إلى "الإنتاج"، مما يعزز التنافسية العالمية للمملكة كوجهة استثمارية تقنية.
من "اقتصاد الموارد" إلى "جودة الحياة"
البعد الآخر الذي لا يقل أهمية هو البعد الإنساني الذي يقع في صلب "برنامج جودة الحياة" و*"برنامج تحول القطاع الصحي"*، إن التوسع في استخدام الروبوتات الطبية التي قلصت بقاء مرضى زراعة القلب في العناية المركزة من أسابيع إلى ساعات، يؤكد أن المملكة تسخّر التقنية لخدمة الإنسان أولاً. هذا التوازن بين "الجدوى الاقتصادية" و"الرفاه الاجتماعي" هو ما يجعل النموذج السعودي مستداماً وملهمًا.
الريادة الإقليمية.. وتأثير التريليونات
أن تساهم المملكة بـ 50% من الاقتصاد الرقمي في المنطقة، وأن تكون الأسرع صعوداً رقمياً في العالم، هو ترجمة فعلية لمكانة الرياض كـ "مركز إقليمي" للتقنية والابتكار. المملكة اليوم، وقد وصل ناتجها غير النفطي لنسبة 56%، لا تكتفي بتحقيق مستهدفاتها الوطنية، بل تقود حراكاً عالمياً لتعظيم القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، مستهدفة المساهمة في اقتصاد الـ 100 تريليون دولار.
