سامر شقير يكتب: بوصلة العلا وصياغة العقد الاقتصادي العالمي الجديد بالسعودية
يقف الاقتصاد العالمي اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية فارقة، تتجه فيها الأنظار نحو المملكة العربية السعودية التي باتت تشكل حجر الزاوية في استقرار ونمو الاقتصادات الناشئة. فبينما يفصلنا يوم واحد عن الحدث المفصلي المتمثل في فتح السوق المالية السعودية بالكامل أمام الاستثمارات الدولية في الأول من فبراير، يأتي تأكيد صندوق النقد الدولي على المرونة الاستثنائية التي يبديها الاقتصاد السعودي ليعزز الثقة العالمية في المسار الاستراتيجي الذي خطته رؤية المملكة 2030. إن هذا التحول الهيكلي العميق، الذي يقوده ويشرف عليه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء –حفظه الله– لم يعد مجرد خطة وطنية طموحة، بل صار نموذجاً ملهماً في كيفية تحويل التحديات العالمية إلى فرص للنمو المستدام والريادة المالية الشاملة.
وفي هذا السياق، تكتسب النسخة الثانية من مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، التي تُنظم بالتعاون مع وزارة المالية السعودية، أهمية استراتيجية تتجاوز كونها مجرد لقاء اقتصادي؛ فهي تمثل "مختبراً للسياسات" في توقيت يواجه فيه العالم ضبابية عالية في المشهد المالي والتجاري. إن اختيار "العلا"، ببعدها التاريخي والحضاري، لتكون مقراً لهذا التأمل العميق بعيداً عن ضغوط الأسواق اللحظية، يعكس رؤية المملكة في ضرورة "معايرة السياسات" الدولية وتنسيق الجهود لضمان تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وحماية سلاسل الإمداد. هذا التوجه يأتي استجابةً لضرورات المرحلة التي تتطلب تفكيراً جماعياً لمواجهة تسارع التحولات، لا سيما مع بروز الذكاء الاصطناعي كقوة تحولية كبرى؛ حيث استبقت المملكة هذه التحولات باستثمارات ضخمة تستهدف تعظيم الفرص التقنية واحتواء آثارها الجانبية، مما يعزز قدرة المنطقة على الصمود في وجه أي هزات اقتصادية عالمية.
إن الأداء القوي الذي تسجله القطاعات غير النفطية في المملكة، والتوقعات المتفائلة بوصول معدلات النمو إلى مستويات قياسية خلال عام 2026، تعكس نجاح المصدات المالية السعودية في امتصاص الصدمات الخارجية بفاعلية واقتدار.
ومع انفتاح السوق المالية (تداول) غداً أمام جميع فئات المستثمرين غير المقيمين، تترسخ مكانة المملكة كركيزة أساسية في مؤشرات الأسواق العالمية، مدعومة بنهج الشفافية وتطوير الأطر التنظيمية التي جعلت من الاقتصاد السعودي ملاذاً لرؤوس الأموال المستقرة. إن المملكة اليوم، من خلال حراكها في "العلا" ومبادراتها المالية الجريئة، لا تكتفي بمواكبة الاتجاهات العالمية، بل تمارس دورها القيادي كـ "مستثمر رئيسي" ومحرك للاستقرار المالي، واضعةً نصب أعينها بناء اقتصاد عالمي أكثر يقيناً وقدرة على الازدهار المستدام
