الخميس 29 يناير 2026 12:15 مـ 10 شعبان 1447 هـ
بوابة بالعربي الإخبارية
المحرر العام محمد رجب سلامة
×

سامر شقير يكتب: انخفاض الأسعار وفتح التملك.. كيف تمارس السعودية ”هندسة التوازن” العقاري؟

الأربعاء 28 يناير 2026 02:56 مـ 9 شعبان 1447 هـ
بقلم: سامر شقير، رائد استثمار
بقلم: سامر شقير، رائد استثمار

في عالم الاقتصاد، لغة الأرقام حاسمة، لكن قراءتها تتطلب عيناً فاحصة لما بين السطور. حينما تكشف الهيئة العامة للإحصاء -في بياناتها الصادرة حديثاً- عن تراجع المؤشر العقاري العام بنسبة 0.7% لأول مرة منذ أربع سنوات، وتسجيل الرياض تحديداً تصحيحاً سعرياً بنسبة 3% في الربع الرابع من 2025؛ قد يفسر البعض ذلك بأنه "تباطؤ"، لكني أقرأ فيه نجاحاً نوعياً لما يمكن وصفه بـ "هندسة السوق" (Market Engineering).

ما يشهده القطاع مع مطلع 2026 ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة "تدخل جراحي" دقيق قادته الدولة لكبح جماح التضخم الذي هدد القوة الشرائية. إن تفعيل رسوم الأراضي البيضاء بصرامة، وضخ 300 ألف وحدة سكنية، وتحجيم الممارسات المضاربية، مثلت جميعها "مكابح تنظيمية" ضرورية لتهدئة السوق المحموم. واليوم، تؤكد الأرقام أن هذه الأدوات عملت بكفاءة، لتعيد الأسعار نحو القيمة العادلة.

توقيت "المايسترو".. لماذا الآن؟

تكمن العبقرية في تزامن هذا "التصحيح السعري المستحق" مع بدء سريان نظام تملك الأجانب للعقار. لو فُتحت أبواب التملك والأسعار في ذروة تضخمها السابقة، لواجهنا خطر "الفقاعة العقارية". لكن صانع القرار السعودي اختار السيناريو الأكثر حكمة: "صحح المسار أولاً.. ثم افتح الأبواب للعالم".

اليوم، يدخل المستثمر الدولي والمطور العالمي سوقاً ناضجة، ذات مخاطر مدروسة وأسعار جاذبة، مما يبرر وجود محافظ استثمارية أجنبية تقدر بـ 40 مليار ريال تقف الآن على خط البداية.

مكة والرياض.. استراتيجية "المسارين"

من اللافت في البيانات الأخيرة ذلك التباين المنهجي: الرياض تسجل انخفاضاً (-3%) لخدمة مستهدفات التملك السكني للمواطنين، بينما مكة المكرمة تسجل نمواً (+2.5%) لخدمة مستهدفات الاستثمار النوعي.

هذا النمو في مكة يمثل استباقاً ذكياً لحدث يونيو القادم: "إطلاق سوق الترميز العقاري". العالم الإسلامي يترقب تحول الأصول العقارية المليارية في المنطقة المركزية إلى "وحدات رقمية" (Digital Tokens) قابلة للتداول عبر منصات مرخصة. هذا الابتكار المالي سيخلق سيولة ضخمة وعابرة للحدود لعقارات الحرمين.

الخلاصة ان السعودية اليوم تجاوزت مفهوم "تجارة الأراضي" التقليدي، وانتقلت إلى مفهوم "الصناعة العقارية المتكاملة" التي تساهم بأكثر من 13% من الناتج المحلي غير النفطي.

نحن أمام معادلة دقيقة، ضبط الأسعار السكنية اجتماعياً، وفتح القنوات الاستثمارية عالمياً.. وأخيرا، اللون الأحمر في مؤشر الربع الرابع ليس جرس إنذار للخروج، بل هو "صافرة انطلاق" لعام عقاري جديد؛ أكثر نضجاً، وأكثر عالمية، والأهم.. أكثر استدامة.