الإثنين 28 سبتمبر 2026 07:46 صـ 15 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة بالعربي الإخبارية
المحرر العام محمد رجب سلامة
×

هيثم خفاجة يكتب: كيف تعاملت القاهرة مع التحولات الإقليمية بعين استباقية؟

الأحد 13 سبتمبر 2026 08:58 مـ 30 ربيع أول 1448 هـ
هيثم خفاجة يكتب: كيف تعاملت القاهرة مع التحولات الإقليمية بعين استباقية؟

في منطقة تتغير خرائطها السياسية والأمنية بسرعة لم تعد قوة الدولة تقاس فقط بقدرتها على التعامل مع الخطر بعد وقوعه وإنما بقدرتها على استشعار الخطر قبل أن يتحول إلى واقع.. وهنا تظهر أهمية الدور المصري ليس باعتباره دورًا عسكريًا فقط وإنما باعتباره منظومة متكاملة من المعلومات والتقدير السياسي والتحرك الدبلوماسي والاستعداد الأمني والعسكري

ومن الخطأ اختزال هذا الدور في حدث واحد أو موقف واحد فمصر تنظر إلى المنطقة باعتبارها مسرحًا مترابطًا الخليج والبحر الأحمر وباب المندب والسودان وغزة وليبيا وشرق المتوسط وكل تطور في إحدى هذه الدوائر يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي المصري

الأجهزة السيادية.. قراءة ما وراء المشهد

لا يستطيع أحد من خارج مؤسسات الدولة أن يعرف بصورة مؤكدة ما تقدمه اجهزتنا السيادية المصرية من معلومات وتقديرات للقيادة السياسية لأن هذه بطبيعتها معلومات غير معلنة، لكن طبيعة عمل أجهزة الاستخبارات الحديثة لا تقوم فقط على معرفة ماذا سيحدث وإنما على دراسة ما يمكن أن يحدث ووضع سيناريوهات متعددة أمام صانع القرار
* هل ستتسع الحرب؟
* هل تنتقل من دولة إلى أخرى؟
* هل تتأثر دول الخليج؟
* هل يصل التصعيد إلى البحر الأحمر؟
* هل يتعرض باب المندب للخطر؟
* وما تأثير ذلك على قناة السويس والاقتصاد المصري؟

هذه الأسئلة هي جوهر الإنذار المبكر، ولذلك فإن القراءة الأكثر واقعية للدور المصري ليست أن القاهرة كانت تعرف كل شيء مسبقًا، وإنما أنها كانت تتعامل مع احتمالات التصعيد باعتبارها خطرًا يجب الاستعداد له.


مصر لا تنتظر وصول النار إلى حدودها

التحركات المصرية خلال الفترة الأخيرة تكشف أن القاهرة تتعامل مع أمن الخليج والبحر الأحمر باعتبارهما جزءًا من منظومة الأمن القومي المصري.

والتنسيق المصري السعودي لم يكن مجرد تنسيق سياسي عابر بل جاء في ظل تطورات إقليمية متسارعة بينما واصلت القاهرة في الوقت نفسه اتصالاتها مع أطراف مختلفة بهدف منع اتساع دائرة الصراع وهذه نقطة شديدة الأهمية .. فالدولة التي تريد أن تكون قادرة على التأثير في الأزمة لا تغلق كل الأبواب وإنما تحتفظ بقنوات اتصال مع مختلف الأطراف حتى مع الخصوم

وفي سبتمبر 2026 استمرت مصر في اتصالاتها مع أطراف إقليمية مختلفة بينها السعودية والإمارات وتركيا بالتوازي مع متابعة تطورات الملف الإيراني والأزمات الأفريقية والإقليمية وهذا يعكس اتساع دائرة الحركة الدبلوماسية المصرية في وقت شديد الحساسية

البحر الأحمر نقطة الاختبار الحقيقية

ربما يكون البحر الأحمر هو المكان الذي تتضح فيه قيمة القراءة المصرية للمشهد بصورة أكبر

فما يحدث اليوم على الساحل الغربي لليمن واقتراب الحوثيين من باب المندب يمثل تطورًا بالغ الحساسية إذ تشير تقارير حديثة إلى تقدم حوثي باتجاه مناطق استراتيجية على البحر الأحمر بما يرفع مخاطر اضطراب الملاحة والطاقة والتجارة، وهنا لا يصبح الأمر مجرد أزمة يمنية أو سعودية إنه يمس
السعودية - البحر الأحمر - باب المندب - قناة السويس - التجارة العالمية - الاقتصاد المصري.

ولهذا فإن أي قراءة مصرية جادة للأزمة لا يمكن أن تتوقف عند حدود المعركة العسكرية وإنما يجب أن تنظر إلى الممرات البحرية والطاقة والتجارة والأمن الإقليم

الرئيس وصانع القرار من رد الفعل إلى إدارة المخاطر
القوة الحقيقية في مثل هذه الظروف ليست في أن تعلن الدولة أنها كانت تعرف كل شيء وإنما في أن تكون لديها القدرة على تقدير المخاطر وتحويل المعلومات إلى قرار.

وهنا يأتي دور الرئيس عبد الفتاح السيسي باعتباره صاحب القرار السياسي الأعلى الذي يتلقى تقريرات مؤسسات الدولة المختلفة وفي مقدمتها المؤسسات السيادية ثم يوازن بينها وبين المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية لمصر

وبالتالي فإن الحديث عن
"دور الدولة متمثلا فى اجهزتها السيادية" لا ينبغي أن يتحول إلى أسطورة سياسية عن جهاز يعرف المستقبل.. الأدق والأكثر احترامًا لعقل القارئ هو القول إن اجهزتنا تجمع المعلومات وتحلل المؤشرات وتبني التقريرات والقيادة السياسية تحول هذه التقريرات إلى سياسات وقرارات

وهنا تكمن قوة الدولة
مصر والسعودية أمن مشترك في مواجهة خطر متحرك.. أمن السعودية ليس بعيدًا عن الأمن المصري.. فالمملكة تقع في قلب منظومة الخليج والبحر الأحمر بينما تمتلك مصر الضفة الشمالية الغربية للبحر الأحمر وقناة السويس.

ومن ثم فإن أي تهديد طويل المدى للسعودية أو البحر الأحمر يمكن أن يتحول في مرحلة لاحقة إلى تهديد مباشر للمصالح المصرية.

ومن هنا يمكن فهم استمرار التنسيق المصري السعودي باعتباره جزءًا من إدارة مشتركة للمخاطر الإقليمية وليس مجرد رد فعل على حدث عسكري بعينه
والأهم مصر لا تبحث عن الحرب

"القوة المصرية في هذا المشهد لا تعني أن القاهرة تريد الانخراط في كل حرب على العكس، المصلحة المصرية الأساسية هي منع الحرب من الاتساع.

ولهذا تتحرك القاهرة في اتجاهين متوازيين؛ قوة وردع واستعداد من ناحية
واتصالات ووساطة ودبلوماسية من ناحية أخرى؛ وهذه ليست مفارقة
إنها جوهر سياسة الدولة التي تريد حماية مصالحها دون أن تسمح بتحويل أراضيها أو محيطها الإقليمي إلى ساحة حرب مفتوحة
قراءة مبكرة لا ادعاء معرفة الغيب

ومن هنا يجب أن نكون دقيقين
لا توجد معلومات علنية تسمح لنا بالقول إن المخابرات العامة المصرية كانت تعرف مسبقًا تفاصيل عملية عسكرية محددة أو توقيتها

لكن يمكن القول، بدرجة عالية من الثقة إن مصر كانت تتعامل مع احتمالات التصعيد الإقليمي باعتبارها خطرًا حقيقيًا وأن مؤسسات الدولة كانت تدرس انعكاساته على الخليج والبحر الأحمر والملاحة وقناة السويس والأمن القومي المصري.

وهذه هي قيمة العمل
الاستخباراتي الحقيقي
ليس أن تعرف المستقبل
بل أن تكون أكثر استعدادًا عندما يأتي المستقبل بما لم يكن أحد يرغب في حدوثه

مصر.. عين على المشهد كله
في النهاية ربما تكون أهم رسالة في المشهد الحالي أن مصر لا تنظر إلى الأحداث كجزر منفصلة
غزة ليست منفصلة عن البحر الأحمر
والبحر الأحمر ليس منفصلًا عن الخليج
والخليج ليس منفصلًا عن أمن قناة السويس
والسودان والقرن الأفريقي ليسا منفصلين عن أمن البحر الأحمر.

وهذا الترابط هو الذي يجعل مصر بحكم الجغرافيا والتاريخ والقدرات طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات حقيقية للأمن الإقليمي.

قد تتغير التحالفات وتتبدل خرائط القوة وتشتعل الحروب ثم تهدأ لكن مصر تظل أمام حقيقة
ثابتة عليها أن ترى الخطر قبل أن يصل إليها وأن تقرأ المشهد قبل أن تفرض عليها أحداثه قراءته

وهنا تحديدًا تظهر قيمة الدولة المصرية ومؤسساتها الأمنية والاستخباراتية استشعار الخطر دراسة الموقفربناء السيناريوهات ثم اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

موضوعات متعلقة