الجمعة 2 يناير 2026 08:45 مـ 13 رجب 1447 هـ
بوابة بالعربي الإخبارية
المحرر العام محمد رجب سلامة
×

سامر شقير يكتب: صندوق الاستثمارات العامة.. من صدارة 2025 إلى ”هندسة المستقبل” في 2026

الجمعة 2 يناير 2026 02:52 مـ 13 رجب 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

لم يكن تصدّر صندوق الاستثمارات العامة السعودي للمركز الأول عالمياً بين الصناديق السيادية من حيث الإنفاق في عام 2025، بقيمة تجاوزت 36.2 مليار دولار، مجرد رقم إحصائي في تقرير "غلوبال إس دبليو إف"؛ بل كان رسالة اقتصادية بليغة تؤكد نضج الاستراتيجية الاستثمارية للمملكة، ومرونتها العالية في التحول من التركيز على السوق المحلية في 2024 -لترسيخ قواعد القطاعات الجديدة- إلى العودة القوية لاقتناص الفرص العالمية النوعية في 2025. هذه القفزة في الإنفاق، التي بلغت نسبتها 81%، أعادت رسم خريطة الاقتصاد العالمي بما يخدم مستهدفات "رؤية 2030" الطموحة.

ولعل العنوان الأبرز لهذا التحول الاستراتيجي هو تلك الصفقة المفصلية التي استحوذ الصندوق بموجبها على حصة الأغلبية الساحقة في عملاق الألعاب "إلكترونيك آرتس" (EA) مقابل 28.8 مليار دولار. هذه الخطوة، التي حظيت بموافقة مساهمي الشركة في كاليفورنيا الأسبوع الماضي لتمنح الصندوق سيطرة بنسبة 93%، لا تُقرأ من زاوية العوائد المالية فحسب؛ بل هي إعلان صريح عن دخول المملكة عصر صناعة "الترفيه الرقمي" من بابه العريض، لتتحول من سوق مستهلكة إلى مالك ومحرك رئيسي لأهم أصول هذه الصناعة عالمياً.

بلغة الأرقام، أثبت الصندوق كفاءة استثنائية بتجاوز أصوله حاجز 1.15 تريليون دولار مع نهاية العام، محققاً بذلك التوقعات التي أطلقها معالي المحافظ ياسر الرميان في سبتمبر الماضي، وواضعاً أقدامه بثبات على طريق الوصول إلى مستهدف "التريليونات الثلاثة" بحلول 2030. هذا الأداء القوي جاء معززاً بمشهد خليجي متكامل، حيث شكلت الصناديق الخليجية السبعة مجتمعة 43% من إجمالي الإنفاق السيادي العالمي، مما يؤكد انتقال ثقل القرار المالي العالمي نحو عواصم منطقتنا.

2026.. عام "الربط الرقمي" وسد الفجوة التقنية

وفي قراءة استشرافية لعام 2026، الذي بدأنا بالفعل نعيش أيامه الأولى، نجد أن التحدي والفرصة يكمنان في عنوان رئيسي: "البنية التحتية والذكاء الاصطناعي".

تُظهر البيانات تفوقاً إماراتياً في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي (7.1 مليار دولار)، مقابل استثمارات سعودية بلغت 300 مليون دولار في القطاع ذاته. هذا التباين لا يُقرأ كنقطة ضعف، بل هو "مؤشر اتجاه" وفرصة كامنة لهذا العام؛ فالمنطق الاستثماري السليم يقتضي بأن الاستحواذ على عمالقة الترفيه (مثل EA) يتطلب "ظهيراً تقنياً" قوياً ومستقلاً. لذا، من المرجح أن نشهد في 2026 توجهاً استراتيجياً من الصندوق لسد هذه الفجوة عبر ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، لتكون المحرك التقني الذي يخدم منظومة الترفيه التي باتت المملكة تمتلك مفاتيحها.

إضافة إلى ذلك، سيشهد عام 2026 تحولاً من "الاستحواذ العالمي" إلى "الأثر المحلي". التحدي الأبرز سيكون في ترجمة صفقة "إلكترونيك آرتس" على أرض الواقع؛ أي الانتقال من مرحلة "الملكية المالية" إلى "الشراكة التشغيلية". نتوقع أن تُقاس نجاحات هذا العام بمدى قدرة الصندوق على توطين هذه الاستثمارات، وجذب استوديوهات التطوير العالمية لتتخذ من "القدية" أو مناطق الألعاب في الرياض مقرات لها، ليتحول الاستثمار من مجرد أرقام في محافظ خارجية إلى وظائف ونقل للمعرفة داخل المملكة، وبما يخدم المشاريع الكبرى (Giga-projects).

خلاصة القول، إن ما حققه صندوق الاستثمارات العامة في 2025 يتجاوز الجداول والترتيب العالمي؛ إنه إعادة هندسة لموقع المملكة في سلاسل القيمة العالمية. ونحن اليوم أمام مؤسسة لا تدير الثروة فحسب، بل تصنع المستقبل، وتؤكد يوماً بعد يوم أن التطلعات الوطنية تتحول بخطى ثابتة إلى واقع اقتصادي يفرض إيقاعه على الأسواق العالمية.

موضوعات متعلقة