سامر شقير يكتب: 300 مليار ريال.. كيف حولت السعودية ”السياحة” إلى نفطٍ لا ينضب؟
في دافوس، حيث تجتمع نخب الاقتصاد العالمي وسط أجواء جبال الألب الباردة، كانت الأرقام القادمة من الجناح السعودي تشع حرارةً وزخماً استثنائياً.. عندما وقف وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، ليعلن للعالم أمس أن المملكة حققت في عام 2025 أعلى إنفاق سياحي في تاريخها، متجاوزاً حاجز الـ 300 مليار ريال، أدركنا فوراً أننا لم نعد نتحدث عن مجرد قطاع ترفيهي "مُكمّل"، بل نحن أمام ميلاد عملاق اقتصادي بات يضاهي في تأثيره قطاعات الطاقة التقليدية.
دعونا نقرأ ما وراء الرقم.. القفزة من 282 مليار ريال في 2024 إلى أكثر من 300 مليار في 2025 ليست مجرد نمو سنوي اعتيادي؛ إنها "تغيير في قواعد اللعبة".. هذا الرقم يعني أن السياحة في السعودية تحولت رسمياً إلى ماكينة لضخ سيولة هائلة ومستدامة في شرايين الاقتصاد الوطني، تغذي قطاعات التجزئة، والنقل، والضيافة، وتخلق آلاف الفرص للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. إنه باختصار: "النفط الأبيض" الذي يتدفق بلا توقف، ولا يخضع لمزاجية بورصات الطاقة العالمية.
نادي العشرة الكبار.. الحلم أصبح واقعاً
الأمر الأكثر إثارة للإعجاب في إعلان دافوس ليس حجم الإنفاق فحسب، بل "نوعية" الحضور. عندما تستقبل المملكة 30 مليون سائح دولي من أصل 122 مليون سائح إجمالي، فهذا يعني أن السعودية انتزعت رسمياً مقعدها ضمن قائمة أهم 10 دول في العالم في قطاع السياحة.
لنتوقف قليلاً عند دلالة هذا الإنجاز: قبل سنوات قليلة، كانت السياحة الدولية في المملكة تقتصر غالباً على الأغراض الدينية والأعمال. اليوم، ننافس وجهات أوروبية وآسيوية عريقة، ونجتذب السائح الغربي والآسيوي الذي يبحث عن الفخامة في منتجعات البحر الأحمر، وعمق التاريخ في العلا، وسحر التراث في الدرعية. هذا التحول الجذري هو انتصار لـ "القوة الناعمة" السعودية بقدر ما هو انتصار اقتصادي.
السباق مع الزمن.. وتفوق الـ G20
ما يجعل رقم الـ (300 مليار) استثنائياً هو "السرعة" التي تحقق بها. الوزير الخطيب أشار إلى نقطة جوهرية لا يجب أن تمر مرور الكرام: النمو المتحقق في القطاع السياحي السعودي خلال السنوات الخمس الماضية هو الأعلى بين دول مجموعة العشرين (G20).
أن تتفوق في معدلات النمو على دول راسخة سياحياً مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، يعني أنك لا "تنمو" فقط، بل "تلتهم حصصاً سوقية" وتخلق طلباً جديداً لم يكن موجوداً من قبل. هذا الزخم يؤكد أن مستهدفات "رؤية 2030" لم تكن أحلاماً وردية، بل كانت خططاً مدروسة نرى اليوم حصادها بالأرقام في حسابات الناتج المحلي.
رسالة للمستثمرين
في مطلع 2026، لم يعد السؤال المطروح: "هل تنجح السعودية سياحياً؟"، بل أصبح السؤال: "إلى أي مدى سيصل سقف هذا النمو؟".
رسالتي للمستثمرين واضحة: الـ 300 مليار ريال هي مجرد البداية. نحن أمام قطاع أثبت أنه "مضاد للتقلبات" ومولد للوظائف والثروات. من لم يحجز مكانه في قطاع السياحة السعودي اليوم، قد يجد التذكرة باهظة الثمن غداً.. فالقطار انطلق بأقصى سرعة، والوجهة عالمية بامتياز.












