الجمعة 2 يناير 2026 06:45 مـ 13 رجب 1447 هـ
بوابة بالعربي الإخبارية
المحرر العام محمد رجب سلامة
×

التحول الرقمي والصناعي.. السعودية تعيد رسم خارطة الاقتصاد غير النفطي

الجمعة 2 يناير 2026 01:21 مـ 13 رجب 1447 هـ
الاقتصاد غير النفطي في السعودية
الاقتصاد غير النفطي في السعودية

اعتمدت المملكة لعقود طويلة على النفط كمورد أساسي وحيد للميزانية العامة والناتج المحلي الإجمالي.

ورغم أن هذا النموذج وفر السيولة اللازمة لبناء البنية التحتية الأساسية، إلا أنه جعل الاقتصاد الوطني رهينًا لتقلبات أسعار الخام في الأسواق العالمية، حيث كان الربط المباشر بين الدخل والنفط يولد "دورات اقتصادية" متذبذبة، ويحد من قدرة القطاعات الإنتاجية الأخرى على البروز والمنافسة، محدثًا فجوة في تنوع مصادر الدخل الوطني.

ماهية الاقتصاد غير النفطي

يُعرف الاقتصاد غير النفطي بأنه مجموع الأنشطة الاقتصادية والصناعية والخدمية التي لا ترتبط مباشرة باستخراج النفط الخام أو الغاز الطبيعي. ويشمل ذلك الصناعات التحويلية، التعدين، السياحة، الخدمات المالية، النقل، والتقنية. الهدف من هذا التحول هو خلق قاعدة إنتاجية مستدامة تولد قيمة مضافة وفرص عمل مستقرة، بعيدًا عن تقلبات قطاع الطاقة التقليدي.

ضرورة التحول الاستراتيجي

التحول نحو الاقتصاد غير النفطي ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة وجودية لضمان الاستقرار المالي طويل الأمد، حماية الميزانية العامة من الصدمات الخارجية، وتعزيز متانة الريال السعودي، بالإضافة إلى رفع نسبة المحتوى المحلي.

الانتقال من الاعتماد الكلي على النفط إلى "المملكة الإنتاجية" هو جوهر استراتيجيات التنمية الحديثة، لضمان مستقبل الأجيال القادمة عبر موارد متجددة ومتنوعة.

ويدل ارتفاع الصادرات غير النفطية إلى 515 مليار ريال في 2024 على نجاح "النمو الرقمي" في إدارة الموارد الاقتصادية، وهو ثمرة رقمنة شاملة لسلسلة القيمة المضافة، ما جعل المملكة محط أنظار المنظمات الاقتصادية الدولية.

التحول الرقمي في الإجراءات الجمركية واللوجستية

تجلى نجاح المملكة الرقمي في تحويل الموانئ والمطارات إلى منصات ذكية عبر منصة "فسح" وغيرها من الحلول التقنية، ما قلص زمن الفسح الجمركي من أيام إلى ساعات، وخفض التكاليف التشغيلية على المصدرين، وزاد من تنافسية المنتج السعودي في الأسواق العالمية.

الذكاء الاصطناعي وتحليل الأسواق

استُخدمت أدوات رقمية متقدمة لتحليل فجوات الطلب في الأسواق العالمية، ما مكن المصدر السعودي من معرفة المنتجات المطلوبة بدقة، وتوجيه الإنتاج نحو سلع ذات قيمة مضافة مرتفعة، وهو ما ساهم في القفزة النوعية في إجمالي الصادرات غير النفطية.

التجارة الإلكترونية العابرة للحدود

أنشأت المملكة قنوات بيع رقمية دولية، مكنت الشركات المتوسطة والصغيرة من الوصول إلى أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا بضغطة زر، مضاعفة قاعدة المصدرين ومثبتةً مكانة المملكة كمركز عالمي للتجارة الإلكترونية.

الشباب السعودي: المحرك الرقمي

النجاح الرقمي يعود إلى "العقل السعودي الشاب"، الذي صاغ أكواد التحول الرقمي ويدير غرف التحكم في المصانع الذكية والموانئ العالمية. الاستثمار في تأهيل المهندسين والمبرمجين والمبتكرين جعل الشباب هم الضمانة الحقيقية لاستدامة هذا النمو وتفجير طاقات إنتاجية غير مسبوقة.

توطين الصناعات والريادة العالمية الفائقة

تجاوزت المملكة التجميع التقليدي، إلى "سيادة تقنية" عبر توطين صناعات معقدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة. مراكز الأبحاث والتطوير في "الجبيل" و"ينبع" و"وعد الشمال" أصبحت مختبرات عالمية لابتكار حلول صناعية رقمية تصدر للعالم، مما منح المنتجات السعودية ميزة تنافسية فائقة.

كفاءة الإدارة وتذليل العقبات

تمكنت المملكة من خلق بيئة تكاملية تربط كافة الجهات المعنية عبر منظومة رقمية موحدة، وتقديم حزم تحفيزية ذكية تستهدف المصدرين بناءً على بيانات لحظية، وتحويل التحديات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة العالمية إلى فرص من خلال اللوجستيات الرقمية المتطورة.

توطين صناعة الرقائق وأشباه الموصلات

جاء التوجه الاستراتيجي لتوطين صناعة الرقائق وأشباه الموصلات لدعم الصناعات الحديثة كالسيارات الكهربائية والأنظمة الدفاعية وأجهزة الاتصالات. واستثمار مليارين ريال في هذا القطاع يهدف إلى تحويل "وادي السيليكون السعودي" إلى مركز عالمي لهذه المكونات الدقيقة، مما يرفع قيمة الصادرات غير النفطية ويضمن الأمن الوطني التقني.

المملكة كمنصة عالمية للذكاء الاصطناعي

تشمل طموحات المملكة تصدير الذكاء من خلال مراكز بيانات ضخمة وبنية تحتية للحوسبة السحابية، مع تطوير نماذج لغوية وبرمجيات سعودية، تُستخدم في تحسين كفاءة المصانع والمنظومات اللوجستية العالمية، ما يجعل تصدير البرمجيات والحلول الذكية جزءًا من الصادرات غير النفطية ذات هوامش ربح مرتفعة.

الصناعات القائمة على الأتمتة والتقنيات العميقة

بدأت المملكة في توطين صناعات الروبوتات والأنظمة الذكية ذاتية القيادة، ما خلق جيلاً جديداً من الصادرات السعودية "الواعية رقميًا"، من أجهزة استشعار متقدمة وحلول طاقة ذكية، تجمع بين التوطين الصناعي والبراعة الرقمية.

المستقبل الرقمي للصادرات

تسعى المملكة إلى جعل الصادرات غير النفطية القوة الدافعة الأولى للاقتصاد، ضمن رؤية 2030 التي تستهدف أن تشكل هذه الصادرات 50% من الناتج المحلي غير النفطي. المملكة اليوم لا تبني مصانع فقط، بل تبني "مستقبلًا رقميًا عابر القارات"، يقوده شباب سعودي مبدع ويعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية العالمية، لتظل المملكة رائدة ومصدرة للابتكار والتميز لكل أصقاع الأرض.

موضوعات متعلقة