سوق النفط يدخل 2026 بلا بوصلة واضحة.. وفائض المعروض يعيد رسم خريطة الأسعار
بعد عامٍ اتسم بتقلبات حادة، بدأ بتصعيد عسكري في الشرق الأوسط وانتهى عند حدود فائض المعروض، تدخل سوق النفط العالمية عام 2026 وسط غياب عنصر اليقين. فقد تراجع خام برنت من ذروة قاربت 81 دولارًا للبرميل في منتصف 2025، بالتزامن مع التوتر بين إيران وإسرائيل، ليتداول حاليًا قرب مستوى 60 دولارًا.
وبينما تراجعت حدة المخاطر الجيوسياسية نسبيًا، تصاعدت المخاوف من تخمة الإمدادات، ما ترك المتعاملين وصنّاع القرار أمام معادلة معقدة.
سؤال السوق الكبير: 75 أم 50 دولارًا؟
يتركز الجدل في الأسواق حول اتجاه الأسعار خلال العام الجديد:
هل تقفز أسعار النفط مجددًا نحو 75 دولارًا للبرميل بفعل صدمة سياسية مفاجئة؟
أم تنزلق إلى 50 دولارًا تحت ضغط فائض المعروض وضعف الطلب؟
هذا السؤال البسيط في صياغته، المعقد في جوهره، يشغل عواصم الطاقة من الرياض وواشنطن إلى بكين وموسكو.
إجماع حذر: استقرار أو انخفاض ما لم تقع مفاجأة
تميل غالبية المؤسسات المالية الكبرى إلى ترجيح سيناريو الاستقرار أو التراجع في أسعار النفط خلال 2026، ما لم تشهد الأسواق حدثًا جيوسياسيًا كبيرًا يعطل الإمدادات بشكل ملموس.
ثلاثة سيناريوهات من "سيتي غروب"
يتوقع بنك "سيتي غروب" ثلاثة مسارات محتملة:
السيناريو المتفائل: صعود خام برنت إلى 75 دولارًا للبرميل في حال وقوع انقطاعات حقيقية في الإمدادات نتيجة توترات سياسية واسعة.
السيناريو الأساسي: استقرار متوسط السعر عند نحو 62 دولارًا للبرميل في الربع الأول من 2026.
السيناريو الهبوطي: تراجع متوسط السعر إلى 50 دولارًا للبرميل على مدار العام، مدفوعًا بزيادة إمدادات "أوبك+" وضعف المشتريات الصينية.
بنوك كبرى تتجه لخفض التوقعات
يسير بنك "جيه بي مورغان" في الاتجاه ذاته، بعدما خفّض توقعاته لسعر خام برنت إلى 58 دولارًا للبرميل في 2026.
أما إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فتتوقع أن يستقر متوسط السعر عند 55 دولارًا للبرميل، في ظل نمو المخزونات العالمية وضغوط المعروض.
وفي السياق نفسه، ترجح مجموعة "ماركواري" أن تتراوح أسعار النفط بين 51 و59 دولارًا للبرميل خلال الفصول المقبلة، محذرة من "تخمة قاسية في المعروض" نتيجة زيادة الإنتاج العالمي.
أسعار دون مستويات التعادل للمنتجين
حتى في أفضل السيناريوهات المطروحة، تبقى الأسعار المتوقعة دون المستويات التي تحتاجها كبرى الدول المنتجة لتحقيق التعادل في ميزانياتها بين الإيرادات والمصروفات، ما يزيد من حساسية قرارات الإنتاج خلال المرحلة المقبلة.
انقسام واضح حول نمو الطلب العالمي
تشهد توقعات الطلب العالمي على النفط تباينًا لافتًا بين المؤسسات الدولية:
منظمة أوبك تتبنى نظرة متفائلة، وتتوقع نمو الطلب بنحو 1.4 مليون برميل يوميًا في 2026.
وكالة الطاقة الدولية تقدم تقديرات أكثر تحفظًا، مرجحة نموًا يتراوح بين 700 و860 ألف برميل يوميًا فقط.
وتشير الوكالة إلى أن الطلب العالمي قد يبلغ 105.3 مليون برميل يوميًا بحلول 2035، قبل أن يصل إلى ذروته عند 112.8 مليون برميل يوميًا في منتصف القرن.
فائض معروض يتسع في 2026
تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تحقق أسواق النفط فائضًا متوسطه 800 ألف برميل يوميًا في 2026، أي أكثر من ضعف الفائض المتوقع للعام الحالي.
ويرى محللون أن هذا التباين في التقديرات يعكس اختلاف الرؤى حول وتيرة التحول في قطاع الطاقة، وقدرة الاقتصادات الكبرى على الحفاظ على مستويات الطلب.
آسيا خارج منظمة التعاون الاقتصادي تقود النمو
بحسب تقديرات "جيه بي مورغان"، سيأتي أي نمو محتمل في الطلب من خارج دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتحديدًا من الهند والصين، حيث يُتوقع أن تسهم كل منهما بنحو 0.4 إلى 0.5 مليون برميل يوميًا.
غير أن البنك يحذر من أن جزءًا من المشتريات الصينية قد يذهب إلى التخزين، وليس إلى الاستهلاك الفعلي، ما قد يخفي ضعفًا حقيقيًا في الطلب العالمي.
فائض كبير في الأفق وفق "غولدمان ساكس"
يتوقع بنك "غولدمان ساكس" أن تواجه سوق النفط فوائض كبيرة خلال العامين الجاري والمقبل، نتيجة تباطؤ نمو الطلب بسبب الحرب التجارية، إلى جانب تخفيف تحالف "أوبك+" قيود الإمدادات.
من يقود نمو الإمدادات في 2026؟
التحدي الأبرز يتمثل في الإمدادات القادمة من خارج تحالف "أوبك+". إذ تشير تقديرات "مورغان ستانلي" و"سيتي غروب" ووكالة الطاقة الدولية إلى أن البرازيل وغيانا وكندا والأرجنتين ستكون المحركات الرئيسية لنمو الإنتاج العالمي.
وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن يبلغ متوسط الفائض نحو 3.7 مليون برميل يوميًا في 2026، مع وصول إجمالي المعروض العالمي إلى 108.6 مليون برميل يوميًا، بزيادة سنوية قدرها 2.4 مليون برميل يوميًا.
هل يعود "أوبك+" إلى خفض الإنتاج؟
يرى بوب مكنالي، رئيس شركة "رابيدان إنرجي غروب"، أن تحالف "أوبك+" قد يضطر إلى خفض الإنتاج مجددًا خلال الربع الثاني من 2026، لإدارة السوق بحذر وتفادي تخمة المعروض، خاصة مع نمو الإنتاج في الولايات المتحدة وكندا.
وفي الوقت نفسه، تستمر دول داخل التحالف في تعزيز طاقاتها الإنتاجية، مثل الإمارات التي تخطط لرفع قدرتها بنحو 200 ألف برميل يوميًا، إلى جانب توسعات ملحوظة في كازاخستان والعراق.
السياسة تعود إلى واجهة المشهد النفطي
تلعب السياسة دورًا محوريًا في رسم ملامح السوق خلال 2026. إذ تضع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خفض أسعار النفط إلى 50 دولارًا أو أقل كهدف رئيسي للحد من التضخم.
ويشير محللو "جيه بي مورغان" إلى أن واشنطن لن تتحرك لدعم الأسعار ما لم تهبط أسعار خام غرب تكساس دون 50 دولارًا، وهو المستوى الذي يبدأ عنده إنتاج النفط الصخري بالتراجع.
روسيا وفنزويلا تحت الضغط
لا تزال العقوبات المفروضة على روسيا وفنزويلا عنصرًا مؤثرًا في معادلة السوق. فعلى الرغم من صمود الصادرات الروسية نسبيًا، فإنها تواجه صعوبات في إيجاد مشترين، ما يضطر موسكو إلى تقديم خصومات كبيرة للصين والهند.
وفي تطور لافت، أمر ترمب بفرض حصار على ناقلات النفط من وإلى فنزويلا، التي تنتج نحو مليون برميل يوميًا، رغم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي في العالم يتجاوز 300 مليار برميل.
كما لوّح الرئيس الأميركي بفرض عقوبات نفطية جديدة على روسيا في حال رفض الرئيس فلاديمير بوتين اتفاق السلام مع أوكرانيا.
اضطرابات محتملة ترفع الأسعار فجأة
يحذر "جيه بي مورغان" من أن أي تصعيد أميركي إضافي، سواء عبر احتجاز ناقلات النفط أو تشديد العقوبات، قد يؤدي إلى اضطرابات مفاجئة في الإمدادات العالمية، ما قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بصورة حادة خلال عام 2026، رغم الصورة العامة التي تميل إلى فائض المعروض.












