سامر شقير يكتب عن ”هيكساجون”: كيف تؤسس الرياض لـ ”حصونها الرقمية” وتدشن عصر النفط الجديد؟
لم تعد قوة الدول تُقاس اليوم بمخزونها من الذهب الأسود أو بمساحتها الجغرافية فحسب، بل بقدرتها على امتلاك وإدارة "النفط الجديد" لهذا القرن: البيانات.
وفي خطوة استراتيجية تقرأ المستقبل بامتياز، أعلنت المملكة العربية السعودية من قلب الرياض عن إطلاق "هيكساجون"، أكبر مركز بيانات حكومي في العالم، لترسل رسالة واضحة مفادها أن البنية التحتية الرقمية ليست ترفاً تقنياً، بل هي ركيزة الأمن القومي والاقتصادي للمرحلة المقبلة.
إن الأرقام التي تقف خلف هذا المشروع الضخم تتجاوز مجرد الانبهار الهندسي؛ فنحن نتحدث عن طاقة استيعابية تصل إلى 480 ميجاوات، ومساحة تتجاوز 30 مليون قدم مربع، ومصنف ضمن المستوى الرابع "Tier IV" الذي يعني بلغة التقنية "الصفر خطأ" أو انعدام فترات التوقف.
هذا الحجم الهائل لا يعكس فقط طموح الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا"، بل يؤسس لقاعدة صلبة قادرة على استيعاب الانفجار المعلوماتي المتوقع، ويضمن استمرارية الأعمال الحكومية والخدمية في أصعب الظروف.
ولعل الجانب الأكثر ذكاءً في هذا المشروع هو الموازنة الدقيقة بين الضخامة والاستدامة؛ ففي الوقت الذي تلتهم فيه مراكز البيانات العالمية الطاقة بشراهة، يقدم "هيكساجون" نموذجاً مغايراً يعتمد تقنيات التبريد السائل المباشر وأنظمة التبريد الهجينة.
هذه التقنيات المبتكرة لا تهدف فقط لخفض الانبعاثات الكربونية بمقدار 30 ألف طن سنوياً، بل تترجم رؤية المملكة في كفاءة الإنفاق التشغيلي، محققةً أدنى معامل لفعالية استخدام الطاقة، وهو ما يُعد استثماراً ذكياً طويل الأجل في الموارد الطبيعية والمالية.
ومن منظور استراتيجي أوسع، لا يمكن قراءة "هيكساجون" بمعزل عن مفهوم "السيادة الرقمية". إن توطين البيانات الحكومية والحساسة داخل الحدود السعودية بنسبة 100% يمنح صانع القرار استقلالاً تقنياً تاماً، ويحمي الأصول الرقمية الوطنية من الاعتماد على الخوادم الأجنبية.
هذا المركز ليس مجرد مبنى، بل هو النواة الأولى لشبكة عنكبوتية من المراكز التي ستغطي المملكة، مشكلةً "سحابة وطنية" محصنة بأعلى معايير الأمن السيبراني.
اقتصادياً، تبرز لغة الأرقام التي لا تجامل؛ فتوحيد مراكز البيانات الحكومية المشتتة تحت مظلة "هيكساجون" سيحقق وفورات مالية تقدر بـ 1.8 مليار ريال سنوياً، ناهيك عن مساهمة تراكمية في الناتج المحلي تتجاوز 10 مليارات ريال.
والأهم من ذلك، أن هذا المركز سيكون "المحرك التوربيني" الذي سيدفع عجلات الذكاء الاصطناعي، موفراً القدرة الحسابية الهائلة اللازمة لتدريب النماذج الوطنية مثل "علّام"، لينقل المملكة من خانة مستهلكي التقنية إلى خانة المنتجين والمصدرين لها.
ختاماً، إن ما يحدث في الرياض اليوم هو إعادة تعريف لمفهوم البنية التحتية؛ فكما شيدت المملكة سابقاً خطوط الأنابيب لنقل النفط للعالم، هي اليوم تشيد "هيكساجون" لتنقل بياناتها ومعرفتها نحو المستقبل، راسمةً بذلك ملامح عهد جديد تكون فيه الكلمة العليا لمن يملك البيانات.. ومن يعرف كيف يحميها ويستثمرها.












