سامر شقير يكتب: السعودية ومعادلة الـ 62 دولاراً.. كيف هزم ”النمو” فزاعة ”الأسعار”؟
في العرف الاقتصادي التقليدي الذي حكم المنطقة لعقود، كانت العلاقة بين سعر برميل النفط ونمو الاقتصاد السعودي علاقة "طردية" مقدسة؛ يمرض النمو إذا عطس السعر. لكن صباح اليوم (الثلاثاء)، ونحن نقرأ تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر للتو عن صندوق النقد الدولي، يبدو أننا نشهد المراسم الرسمية لدفن هذه النظرية القديمة.
التقرير الذي بين أيدينا يحمل مفارقة رقمية مذهلة تستحق التوقف طويلاً: الصندوق يتوقع أن ينخفض متوسط سعر النفط إلى 62.1 دولار للبرميل في 2026، ومع ذلك.. يقوم برفع توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي إلى 4.5%، وهي أعلى وتيرة نمو منذ 4 أعوام.
السؤال الذي يطرحه كل مستثمر الآن: كيف يمكن للاقتصاد أن ينمو بهذه القوة بينما السلعة الاستراتيجية تفقد بريقها السعري؟ الإجابة تكمن في مصطلح واحد: "فك الارتباط" (Decoupling).
شهادة "الثالثة ثابتة"
عندما يعدل صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو المملكة بالزيادة للمرة الثالثة على التوالي خلال 6 أشهر، فهذا لم يعد مجرد "تفاؤل" عابر، بل هو إقرار بوجود "تحول هيكلي" عميق. الأرقام الجديدة (4.3% لعام 2025 و4.5% لعام 2026) تقترب بشدة من الأرقام الرسمية السعودية، ما يعني أن المؤسسات الدولية بدأت أخيراً تقرأ الواقع السعودي كما تراه الرياض، لا كما تمليه جداول البيانات التاريخية المرتبطة بالنفط فقط.
اختبار الضغط: النجاح في "البيئة الصعبة"
الرسالة الأخطر في تقرير اليوم ليست في أرقام النمو المجردة، بل في "اختبار الجاهزية". الصندوق يقول صراحة إن السعودية في وضع "جيد" وتتمتع بـ "مركز قوة" يؤهلها لمواجهة بيئة عالمية تتسم بانخفاض النفط وزيادة الاحتياجات التمويلية.
هنا يكمن النجاح الحقيقي لـ "رؤية 2030". ففي السابق، كان سيناريو وصول النفط لمستويات الستين دولاراً يعني انكماشاً، تقشفاً، وتوقفاً للمشاريع. اليوم، وفي ظل هذا السعر المنخفض، نرى تصنيفاً ائتمانياً عند "A+" من وكالة فيتش، وزخماً هائلاً في الأنشطة غير النفطية (سياحة، ضيافة، صناعة) يعمل كمحرك "دفع رباعي" يعوض أي تراجع في عوائد الطاقة.
رسائل دافوس.. النمو وسط "عجز التقدم" العالمي
وبالتزامن مع صدور التقرير، تأتي تصريحات وزير الاقتصاد والتخطيط، الأستاذ فيصل الإبراهيم، من دافوس لتضع النقاط على الحروف بواقعية شديدة. عندما يشير الوزير إلى أن الاقتصادات الكبرى تنمو "بأقل من إمكاناتها" وتواجه "عجزاً في التقدم"، بينما السعودية تتسارع، فهذا يعني أن المملكة تحولت من "متأثر" بالركود العالمي إلى "استثناء" للنمو.
السعودية في دافوس 2026 لا تبحث عن طوق نجاة، بل تقدم نموذجاً لكيفية الاندماج مع الاقتصاد العالمي والاستفادة منه، رغم "العوائق" التي ذكرها الوزير والتي تكبل الاقتصادات الغربية حالياً.
الخلاصة.. تقرير اليوم هو وثيقة "استقلالية" رسمية للاقتصاد السعودي عن مزاجية أسواق الطاقة. لقد أثبتت المملكة في مطلع 2026 أنها قادرة على إدارة المشهد ببراعة: تخفيضات إنتاجية ضمن "أوبك+" لضبط السوق، وأسعار نفط تميل للانخفاض، واضطرابات جيوسياسية.. ومع ذلك يخرج مؤشر النمو باللون الأخضر الصريح.
رسالتي للمستثمر الذي يقرأ هذا المقال: لا تنظر إلى شاشة أسعار النفط لتقييم مستقبل السوق السعودي، بل انظر إلى صلابة القطاع غير النفطي الذي هزم "فزاعة" الأسعار.











