سامر شقير يكتب: ”روشتة” دافوس.. كيف حولت السعودية ”الاستدامة المالية” إلى سلاح لتعزيز ”اقتصاد مزدهر”؟
في الوقت الذي يلتئم فيه شمل نخب الاقتصاد العالمي في "دافوس" هذا الأسبوع، وسط مشهد دولي يسوده "عدم اليقين" واضطراب سلاسل الإمداد، يخرج الاقتصاد السعودي بمعادلة مغايرة تماماً للسائد.
الطرح الذي قدمته المملكة في أروقة المنتدى الاقتصادي العالمي ليس مجرد أرقام نمو، بل هو تطبيق عملي لمفهوم "اقتصاد مزدهر"، أحد ركائز رؤية 2030، معتمداً على ركيزتين أساسيتين: الاستدامة المالية وتمكين القطاع الخاص.
اليوم، ونحن نقرأ بيانات الربع الثالث من 2025 التي أظهرت تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.8%، وتزامناً مع رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لعامي 2025 و2026 للمرة الثالثة على التوالي، يحق لنا أن نتساءل: كيف نجحت برامج تحقيق الرؤية في صناعة هذه المناعة؟
أولاً: من "الإنفاق" إلى "كفاءة الإنفاق والتخطيط المالي"
لعل أخطر ما قيل في دافوس جاء على لسان وزير المالية، الأستاذ محمد الجدعان، حين شدد على أن نجاح الإصلاحات الهيكلية يرتبط بتحويلها إلى "عمل مؤسسي مستدام".
هنا تكمن جوهرة "برنامج الاستدامة المالية"؛ فالمملكة لم تعد تعتمد على ردود الأفعال تجاه أسعار الطاقة، بل انتقلت إلى مرحلة التخطيط المالي متوسط المدى. عندما تدرك الدولة محدودية المساحة المالية وتقوم بترتيب الأولويات لتوجيه الموارد نحو القطاعات ذات العائد الاقتصادي الأعلى، فهذا يعني ترسيخاً لمبدأ كفاءة الإنفاق، وهو ما يبني مصداقية ائتمانية صلبة لدى الأسواق الدولية.
ثانياً: "المرونة الاستراتيجية".. حوكمة التغيير
النقطة الجوهرية الثانية التي استوقفتني، هي الطرح الواقعي لوزير الاقتصاد والتخطيط، الأستاذ فيصل الإبراهيم، حول الجمع بين الرؤية بعيدة المدى والقدرة على التكيف.
في قاموس الرؤية، هذا ما نسميه "المرونة المؤسسية". نجاح مستهدفات 2030 لا يكمن في جمود الخطط، بل في ديناميكية مكاتب تحقيق الرؤية (VROs) وقدرتها على تصحيح المسار. إن وصول مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى مستويات تتراوح بين 55% و56% يؤكد أننا انتقلنا فعلياً من مرحلة "الاعتماد على النفط" إلى مرحلة "تنويع القاعدة الاقتصادية".
ثالثاً: القطاع الخاص.. من "المساهمة" إلى "القيادة"
عندما تشيد مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، بإفساح المجال للقطاع الخاص، فهي تشير مباشرة إلى نجاح مبادرات "برنامج التحول الوطني" و"برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية" (ندلب).
لقد أثبتت السنوات الخمس الماضية أن القطاع الخاص السعودي، الذي يسجل نمواً سنوياً مستداماً، تحول من دور "المشغل" إلى دور "القائد" للنمو الاقتصادي، مستفيداً من بيئة تشريعية محفزة وتسهيلات غير مسبوقة في ممارسة الأعمال.
الخلاصة
ما يحدث في دافوس اليوم هو تقديم لنموذج سعودي ناضج في إدارة التحول. "الروشتة" السعودية تقول للعالم بوضوح: في زمن الاضطرابات، الإصلاحات الهيكلية ليست خياراً ترفياً، بل هي جدار الحماية الأول لاستمرار النمو.
للمستثمر الذي يقرأ هذا المشهد: الاقتصاد السعودي لا ينمو بالصدفة، بل ينمو لأنه يمتلك "رؤية" تحولت إلى "برامج تنفيذية" دقيقة، وقطاعاً خاصاً يقود الدفة بثقة











