الخميس 8 يناير 2026 02:51 مـ 19 رجب 1447 هـ
بوابة بالعربي الإخبارية
المحرر العام محمد رجب سلامة
×

سامر شقير يكتب: قراءة في دلالات الثقة الدولية في الرياض.. ومكتسبات الرهان الاقتصادي طويل الأجل

الثلاثاء 6 يناير 2026 01:51 مـ 17 رجب 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في عالم أسواق المال العالمية، حيث لا مكان للمجاملات ولا صوت يعلو فوق صوت العائد والمخاطرة، تأتي لغة الأرقام لتكون أصدق إنباءً من كل الخطابات؛ فعندما يستقبل المستثمرون الدوليون أول طرح للسندات السعودية في مطلع عام 2026 بطلبات اكتتاب ضخمة تناهز الـ 31 مليار دولار، فنحن هنا لا نقرأ خبراً روتينياً عن تغطية دين عام أو سد عجز مالي، بل نطالع في الحقيقة "وثيقة ثقة" عالمية مكتوبة بمداد المليارات، وتصويتاً دولياً كاسحاً بـ "نعم" على متانة الاقتصاد السعودي ومستقبله، حيث يعكس إعلان المركز الوطني لإدارة الدين عن إتمام هذا الطرح بقيمة 11.5 مليار دولار، وتغطيته بنحو 2.7 مرة، حقيقة جوهرية باتت واضحة للمراقبين في عواصم المال من نيويورك إلى لندن، مفادها أن المملكة لم تعد مجرد "لاعب" يشارك في أسواق الدين الدولية، بل تحولت بفضل رؤيتها الطموحة وانضباطها المالي إلى "وجهة استثمارية" مفضلة وملاذ آمن لرؤوس الأموال الباحثة عن العائد المستدام، حتى في ظل ما يشهده الاقتصاد العالمي من تقلبات وضبابية.

استراتيجية السندات ثلاثينية الأجل كبرهان عملي على الشراكة في صناعة المستقبل لما بعد الرؤية

لعل القراءة المتأنية في تفاصيل هذا الطرح، وتحديداً في هيكلة الشرائح الزمنية، تقودنا إلى استنتاج بالغ الأهمية يتجاوز حدود التمويل الآني؛ فقرار المستثمرين الدوليين بضخ 3.5 مليار دولار في الشريحة الرابعة التي تستحق السداد بعد ثلاثين عاماً، أي في عام 2056، يضعنا أمام مشهد استثنائي من "الرهان العابر للأجيال"، فالمستثمر الأجنبي الذي يشتري سنداً يستحق بعد ثلاثة عقود هو فعلياً يشتري "مستقبل السعودية" البعيد، ويراهن بأمواله ومحافظه الاستثمارية اليوم على أن الاقتصاد السعودي سيكون بعد ثلاثين عاماً أقوى وأكثر تنوعاً ورسوخاً مما هو عليه الآن، وهذا النوع من الاستثمار طويل النفس هو أبلغ رد عملي على أي تشكيك، وأقوى برهان على نجاح الإصلاحات الهيكلية التي جعلت من استدامة الاقتصاد السعودي حقيقة راسخة تتجاوز الإطار الزمني لـ "رؤية 2030" لترسم ملامح العقود التي تليها.

تأسيس مرجعية تسعير عادلة للقطاع الخاص وتعزيز كفاءة منحنى العائد في الأسواق المالية

وبالنظر بعين المحلل المالي إلى ما وراء الأرقام الإجمالية، نجد أن هذا النجاح يحمل في طياته مكتسبات تقنية بالغة الأهمية للاقتصاد الوطني، حيث يساهم هذا الطرح بشرائحه المتنوعة (3، 5، 10، و30 سنة) في رسم خط بياني واضح ودقيق لتكلفة التمويل السعودي على المدى الطويل، وهو ما يُعرف مالياً بـ "منحنى العائد" (Yield Curve)، وهذا الأمر لا يخدم الحكومة فحسب، بل يخلق "نقطة ارتكاز" (Benchmark) حيوية تسعّر بناءً عليها الشركات السعودية الكبرى وصندوق الاستثمارات العامة إصداراتهم الخاصة مستقبلاً، مما يسهل عليهم الوصول للأسواق العالمية بتكلفة عادلة ومناسبة، كما أن توقيت الدخول إلى السوق في الأسبوع الأول من العام يعكس "ذكاءً استباقياً" من إدارة الدين لاقتناص السيولة مبكراً، مما يمنح المملكة أريحية مالية لتمويل المشاريع الكبرى (Giga-projects) ويحمي الخطط المالية من أي تقلبات مفاجئة قد تطرأ على أسعار الفائدة أو أسواق الطاقة لاحقاً خلال العام.

رسالة الجدارة الائتمانية وتنويع قاعدة المستثمرين كركيزة لاستدامة الطلب العالمي

وفي الختام، لا يمكن فصل هذا الزخم الكبير عن السياق الأوسع المتمثل في تنويع قاعدة المستثمرين الجغرافية والمؤسسية، حيث إن جذب 31 مليار دولار من الطلبات يعني دخول دماء جديدة من مؤسسات مالية في أمريكا وأوروبا وآسيا إلى المحفظة السعودية، وهذا التنوع يقلل المخاطر ويضمن استدامة الطلب مستقبلاً، كما أن معدل التغطية المرتفع يمثل اعترافاً صريحاً من مديري الأصول حول العالم بقوة التصنيف الائتماني للمملكة وقدرتها العالية على الوفاء بالتزاماتها، لتكون الخلاصة أن ما حدث ليس مجرد عملية اقتراض ناجحة، بل هو رسالة واضحة بأن العالم شريك استراتيجي في رحلة البناء السعودية، وأن المملكة تمضي بثبات نحو عام واعد، مدعومة باقتصاد يتحدث لغة المستقبل بطلاقة ويحظى باحترام وموثوقية المجتمع الدولي.

موضوعات متعلقة