الإثنين 1 سبتمبر 2025 12:52 صـ 7 ربيع أول 1447 هـ
بوابة بالعربي الإخبارية
المحرر العام محمد رجب سلامة
×

الأسواق المالية: دورة المشاعر وعلاقتها بالفرص الاستثمارية

الأحد 31 أغسطس 2025 12:17 مـ 7 ربيع أول 1447 هـ
بقلم الخبير الاقتصادي/ سامر شقير
بقلم الخبير الاقتصادي/ سامر شقير

الأسواق كمؤشر للمزاج الاستثماري

الأسواق المالية في جوهرها ليست مجرد شاشات تمتلئ بأرقام تتحرك صعودًا وهبوطًا، بل هي مرآة دقيقة تعكس مزاج المستثمرين ودورة مشاعرهم التي تتأرجح بين النشوة والذعر. وفي عالم يتداخل فيه الاقتصاد بالسياسة والتكنولوجيا، لم يعد فهم هذه الدورة رفاهية فكرية، بل ضرورة استراتيجية لكل من يسعى إلى بناء ثروة مستدامة.

تقييم مراحل الدورة الاستثمارية

منذ فجر الأسواق الحديثة، تكرر المشهد ذاته في كل دورة مالية: يبدأ التفاؤل حين يلوح الأمل بانتعاش اقتصادي أو طفرة في قطاع ما، ثم يتصاعد تدريجيًا ليبلغ حد النشوة، حيث تنغمس الجماهير في موجة شراء عارمة مدفوعة بثقة مفرطة بأن الأسعار لن تعود إلى الوراء.
هنا بالتحديد يختبر السوق حكمة المستثمرين، فبينما ينخرط معظمهم في سباق الشراء، يبدأ القليلون بتهدئة انفعالاتهم وجني الأرباح استعدادًا لما هو قادم.

استغلال فترات التراجع

ومع أول انعطافة حادة للأسعار، تبدأ مرحلة الإنكار، حيث يتمسك المستثمرون بأصولهم رغم مؤشرات التراجع، قبل أن تتحول مشاعرهم إلى قلق، ثم إلى خوف يتسارع في الانتشار مثل عدوى جماعية، لينتهي المشهد بمرحلة الذعر التي تدفع الأغلبية إلى البيع العشوائي بأي سعر. وفي هذه اللحظة التي تبدو مظلمة، يولد النور بالنسبة للمستثمرين المحترفين، إذ يجدون أمامهم فرصًا نادرة لاقتناص أصول عالية القيمة بأسعار لم يكن أحد يتخيلها.

دراسات حالة من الواقع

التاريخ المالي زاخر بشواهد تثبت هذه القاعدة. ففي الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين كان الهلع يسيطر على وول ستريت، اتخذ المستثمر الأمريكي المخضرم وارن بافيت قرارات تاريخية بشراء أسهم بنوك كبرى، واضعًا بذلك أساسًا لعوائد هائلة في السنوات التالية. وفي عام 2020، ومع حالة الشلل التي أصابت الأسواق العالمية إثر جائحة كورونا، تحرك صندوق الاستثمارات العامة السعودي بخطى واثقة ليقتنص حصصًا في شركات عالمية بأسعار مغرية، مثبتًا أن الرؤية بعيدة المدى والجرأة الاستثمارية هما ما يصنعان الفارق بين من يتبع القطيع ومن يقوده.

الانضباط كركيزة للربحية

إن دورة المشاعر في الأسواق ليست مجرد منحنى أكاديمي يُدرس في كتب التمويل السلوكي، بل هي واقع متكرر يرسم مصائر الأفراد والمؤسسات. وفهم هذا الواقع يفرض على المستثمرين الانضباط، والابتعاد عن ضجيج الأسواق، والتركيز على القيمة الحقيقية للأصول بدلًا من اللهاث وراء تقلبات الأسعار اللحظية. فمن يشتري عند الخوف ويبيع عند الطمع لا يحقق أرباحًا فحسب، بل ينجح في كسر الحلقة النفسية التي تجعل الأسواق رهينة العاطفة.

استثمار الفرص الإستراتيجية

إن الأسواق اليوم، في ظل التغيرات الجيوسياسية والتطور التكنولوجي، تحتاج إلى مستثمرين يفكرون بعقلية إستراتيجية لا انفعالية، يدركون أن الأزمات ليست نهاية المطاف بل فرصًا تاريخية لبناء ثروة. وبينما تواصل الأسواق تكرار هذه الدورة الأزلية، سيظل الفارق بين النجاح والفشل مرهونًا بقدرة المستثمر على مقاومة العاطفة وترويض المشاعر واستثمار التقلبات لصالحه.